السيد نعمة الله الجزائري

127

الأنوار النعمانية

كما روي انّه بثينة دخلت يوما على عبد الملك بن مروان فقال يا بثينة ما أرى شيئا ممّا كان يقول جميل ، فقالت يا أمير المؤمنين انّه كان يرنوا لي بعينين ليستا في رأسك ، قال فكيف صادفته في عفّته ، قال كما وصف نفسه : لا والذي تسجد الجباه له * مالي بما دون ثوبها خبر ولا بفيها ولا هممت بها * ما كان الّا الحديث والنظر وعن أبي سهل الساعدي قال دخلت على جميل وبوجهه آثار الموت ، فقال لي ابا سهل انّ رجلا يلقى اللّه ولم يسفك دما حراما ولم يشرب خمرا ولم يأت بفاحشة أترجو له ، قلت أي واللّه فمن هو ؟ قال انّي لأرجو ان أكون ذلك ، فذكرت بثينة فقال انّي لفي آخر يوم من الدّنيا وأول يوم من الآخرة لا نالتني شفاعة محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ان كنت حدّثت نفسي بريبة قطّ . واما القليل منا فربما ضموا إلى الدّواعي المذكورة سابقا الأستنان بسنة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لما سمع فيه من مراتب المثوبات ، روي أن سليمان عليه السّلام مرّ يوما بعصفور يقول لزوجته ادني مني حتى أجامعك لعل اللّه يرزقنا ولدا ذكرا يذكر اللّه تعالى فانّا كبرنا ، فتعجب سليمان عليه السّلام وقال هذه النيّة خير من مملكتي . واما احباؤه عليه السّلام فهم انّما يأتون هذه الشّهوات والمستلذات لا للدّواعي التي فينا بل لأنه تعالى امرهم باستعمالها ، فهي وان كانت لذيذة في الحس عندنا الا انّ أعظم لذّتها في المعنى عندهم ، لأنّهم لا يستلذون الّا بما فيه رضى محبوبهم ، ومن ثم يستلذوا من المحرمات استلذاذ غيرهم منّا ، ومن هذا قال أمير المؤمنين عليه السّلام لو أدخلتني نارك لم أقل انّها نار ، وأقول انّها جنّتي لأنّ جنتي رضاك فأينما أنزلتني أعرف ان رضاك فيه : وهجره أعظم من ناره * ووصله أطيب من جنّته وقال له سلمان الفارسي رضي اللّه عنه يا أمير المؤمنين أتحب الموت أم الحياة ؟ فقال لا أحبّ الا ما أحبه لي مولاي ، وامّا طلب الجنان والخلاص من النّيران فانّما هو مقصد التجار والعبيد كأمثالنا ، وذلك لأنّ طلب النعمة واللّذة يكون على وجوه ثلاثة أعلاها ان يكون لذته بالمنعم لا بالنعمة ولا بالأنعام ، ومثاله من المشاهدات ان السلطان إذا أراد الخروج إلى سفر فأنعم بفرس على انسان فيتصور ان لذّة المنعم عليه وفرحه بالفرس على وجوه ثلاثة : الأول ان يفرح بالفرس من حيث انّها مال ، ولو وجدها في الصحراء لكان يفرح بها ذلك الفرح فهذا فرح من لا حظّ له في السلطان .